بسم الله الرحمن الرحيم
قسم الأشاعرة التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال.
وكذلك قسم ابن تيمية التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. ومقصدنا في هذا البحث أن نبين أيُّ التقسيمين أقرب إلى الصواب، وأولى بالقبول.
فننقل أولاً كلام الأشاعرة في التوحيد وأقسامه، ثم ننقل كلامهم على الكفر وأسبابه وأقسامه، وبعد ذلك ننثنِّي على تقسيم ابن تيمية للتوحيد ونتكلم عليه.
مذهب الأشاعرة في التوحيد وأقسامه
قد قسم الأشاعرة التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال. قال كمال الدين ابن أبي شريف في المسامرة شرح المسايرة: التوحيد هو اعتقاد الوحدانية في الذات والصفات والأفعال[1].
وقد يختصر الأشاعرة فيقولون: التوحيد اعتقاد عدم الشريك في الإلهية وخواصها. قال سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد[2]:
حقيقة التوحيد اعتقاد عدم الشريك في الإلهية وخواصها، ولا نزاع لأهل الإسلام في أن تدبير العالم، وخلق الأجسام، واستحقاق العبادة، وقدم ما يقوم بنفسه، كلها من الخواص… وبالجملة فنفي الشريك في الإلهية ثابت عقلاً وشرعاً، وفي استحقاق العبادة شرعاً.
وقال ابن الهمام في المسايرة: «لما ثبت وحدانيته في الإلهية ثبت استناد كل الحوادث إليه».
الإلهية الاتصاف بالصفات التي لأجلها استحق أن يكون معبوداً، وهي صفاته التي توحد بها سبحانه، فلا شريك له في شيء منها، وتسمى خواص الإلهية، ومنها الإيجاد من العدم وتدبير العالم والغنى المطلق.
واعلم أن الوحدة تطلق بمعنى انتفاء قبول الانقسام، وبمعنى انتفاء الشبيه، والباري تعالى واحد بكل من المعنيين. أما الأول: فلتعاليه عن الوصف بالكمية والتركيب من الأجزاء والحد والمقدار. وأما الثاني: فحاصله انتفاء المشابه له تعالى بوجه من الوجوه.
هذا هو كلام الأشاعرة في التوحيد وفي الشرك، حيث فسروا التوحيد باعتقاد الوحدانية لله تعالى في الذات والصفات والأفعال، أي باعتقاد أنه لا يوجد ذات مثل ذاته، ولا يوجد لغيره صفات مثل صفاته، وأنه المتفرد بخلق الأشياء وإيجادها. وبعبارة أخرى: التوحيد اعتقاد عدم الشريك في الإلهية وخواصها. وهذا كلام دقيق محقق لا غبار عليه.
وأما كلام الأشاعرة على الكفر وأسبابه وأقسامه فننقل فيه كلام ابن الهمام في المسايرة مع شرحه لابن أبي شريف وذلك لما اشتمل عليه كلامهما من بيانات تتعلق بموضوع التوحيد والشرك، ومن الاستدلال على وجود الله تعالى بالأدلة القرآنية وبشهادة الفطرة. وابن الهمام وإن كان حنفي المذهب لكنه جار على منهج الأشاعرة في العقيدة، وأما كمال الدين ابن أبي شريف فهو شافعي أشعري.
قال في المسايرة مع شرحها المسامرة[7]: الأصل الأول العلم بوجوده تعالى، وأولى ما يستضاء به من الأنوار ما اشتمل عليه القرآن، فليس بعد بيان الله تعالى بيان. وقد أرشد سبحانه إلى وجوده بآيات، منها:
فمن أدار نظره في عجائب تلك المذكورات من الأرضين والسماوات وبدائع فطرة الحيوان والنبات اضطره ذلك إلى الحكم بأن هذه الأمور مع هذا الترتيب المحكم لا يستغني كل منها عن صانع أوجده من العدم وحكيم رتبه، وعلى هذا درجت كل العقلاء إلا من لا عبرة بمكابرتهم وهم بعض الدهرية.
وإنما كفروا بالإشراك حيث دعوا مع الله إلهاً آخر، ونسبة بعض الحوادث إلى غيره تعالى، وإنكار ما جعل الله تعالى إنكاره كفراً كالبعث وإحياء الموتى.
ولذا كان المسموع من الأنبياء المبعوثين عليهم أفضل الصلاة والسلام دعوة الخلق إلى التوحيد، والمراد به هنا اعتقاد عدم الشريك في الألوهية وخواصها كتدبير العالم واستحقاق العبادة وخلق الأجسام، بدليل أنه بين التوحيد بشهادة أن لا إله إلا الله. ففي فطرة الإنسان وشهادة آيات القرآن ما يغني عن إقامة البرهان.
معنى الربوبية والألوهية
وأما التقسيم الثلاثي للتوحيد الذي قرره ابن تيمية فنتكلم عليه بشيء من التوسع، ونبدأ أولاً بالكلام على كلمتي الربوبية والألوهية.
الربوبية: اسم موضوع للدلالة على الصفات التي يتصف بها الرب الخالق جل وعلا. والرب في الأصل مصدر رَبَّ يَرُبُّ. والتربية — كما يقولون — تبليغ الشيء إلى الكمال شيئاً فشيئاً. ثم نُقلت كلمة الرب من معنى المصدر إلى معنى المربي، ثم توسع في معناها فأطلقت على السيد والأمير ومالك الشيء والمنعم.
ولما كانت التربية الحقيقية لكل المخلوقات بخلقها ابتداءً وإمدادها بالبقاء ورعايتها وتنميتها صفةً من صفات الرب جل وعلا، كان سبحانه هو رب العالمين ورب كل شيء. فالربوبية هي الوصف الجامع لكل صفات الله ذات العلاقة والأثر في مخلوقاته، واسم الرب هو الاسم الدال على كل هذه الصفات.
وأما كلمة الألوهية فبمعنى العبادة. قال أهل اللغة: التأَلُّه هو التعبد والتنسك، والتأليه هو التعبيد. وقالوا: إله على وزن فِعال هو بمعنى مفعول، أي مألوه بمعنى معبود، سواء كان معبوداً بحق أم بباطل. (انظر لسان العرب والقاموس المحيط)
فظهر من هذا أن الألوهية بمعنى العبادة وليس بمعنى الكون إلهاً، وإنما الذي يصح إطلاقه على هذا المعنى هو كلمة «الإلهية» مصدر جعلي من كلمة الإله، وهو الذي استعمله المحققون من العلماء.
فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، بمعنى لا متصف بالصفات التي لأجلها استحق أن يكون معبوداً إلا الله. وهذه الصفات هي المسماة بخواص الإلهية: خلق العالم وتدبيره وتربيته، والغنى المطلق عن غيره، وافتقار ما سواه إليه، وتفرده بحق التشريع. ويتفرع عن هذه الصفات استحقاق العبادة.
فظهر أن توحيد الإلهية متفرع عن توحيد الربوبية ومنبنٍ عليه وملازم له، فالناس إنما يعبدون من يعتقدون فيه الربوبية سواء اعتقدوا فيه ربوبية كبيرة مطلقة أم ربوبية محدودة صغيرة مستمدة من الرب الأكبر.
فأعطى هذا الصنف الأحبارَ والرهبانَ حق التشريع وهو من صفات الربوبية وخواصها، فاتخذوهم بذلك أرباباً، ثم أطاعوهم فيما شرعوا من الأحكام، وبذلك كانوا قد عبدوهم وألهوهم — فإن الإطاعة في التشريع نوع من العبادة.
الصنف الخامس
هم الذين يعتقدون فيمن يعبدونهم أنهم شركاء لله في تدبير العالم والتصرف فيه. وهؤلاء أصناف كثيرة منهم أهل التثنية وأهل التثليث ومنهم من يعددون الآلهة فوق ذلك.
الصنف السادس
ناس كانوا لا يعتقدون في معبوداتهم شيئاً من معاني الربوبية، فلم يكونوا يعبدونها عن عقيدة واقتناع، بل كانوا يعبدونها بناءً على مصلحة اجتماعية وهي الحفاظ على الوحدة القومية. وهذا ما كشفه إبراهيم عليه السلام لقومه:
من هذا التصنيف للمشركين ظهر أن الربوبية هي الأساس الذي تنبني عليه الإلهية. فمن كانت له الربوبية فمن حقه على مربوبيه أن يؤلهوه. وظهر خطأ الذين يرون أن جميع العرب في جاهليتهم كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية لله عز وجل إلا أنهم كانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى شركاء له في إلهيته دون أن يجعلوها شركاء له في ربوبيته.
نقد تقسيم ابن تيمية: توحيد الربوبية والألوهية
لما كانت الإلهية هي اللازم العقلي المباشر للربوبية وكانت الربوبية في الوجود كله لله وحده، وجب عقلاً وجوباً حتمياً أن تكون الإلهية خاصة بالله وحده. ولذلك كان منهج القرآن الكريم للإقناع بتوحيد الإلهية يعتمد على تذكير ذوي الفكر بتوحيد الربوبية لله عز وجل:
جاء البيان في هذه السورة مرتباً ترتيباً عقلياً منطقياً: فإثبات ربوبية الله للناس يلزم منه إثبات كونه مالكاً لهم وملكاً عليهم، ويلزم منهما إثبات إلهيته لهم. وبما أنهم لا رب لهم غيره فلا إله لهم غيره.
ولذلك كان من الواضح عند أولي الألباب أن توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لا في الاعتقاد ولا في الوجود. وكان تقسيم التوحيد إليهما بناءً على انفصالهما من الخطأ الواضح.
تخصيص الربوبية بالخالقية مع أنها تشمل كل خصائص الإلهية.
التعبير عن الكون إلهاً بالألوهية، فإن الألوهية هي العبادة والتعبير الصحيح هو الإلهية.
ادعاء أن توحيد الربوبية منفصل عن توحيد الإلهية وغير ملازم له، وقد حققنا أنه ملازم له.
ما بنى عليه من أن مشركي العرب في جاهليتهم كانوا يوحدون الله توحيد الربوبية دون توحيد الإلهية.
وهو الأدهى والأمر: حكمه على كثير من المسلمين بمثل ما حكم به على مشركي العرب في جاهليتهم.
فظهر بهذا خطأ هذا التقسيم وخطأ ما بناه عليه صاحبه.
نقد تقسيم ابن تيمية: توحيد الأسماء والصفات
وأما ثالث الأقسام «توحيد الأسماء والصفات» فقد قصد به صاحب التقسيم أن يثبت لله من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه دون إهمال شيء منها ودون زيادة عليها. أما تقرير المسألة فهو تقرير غير محرر أدى عدم تحريره بصاحبه إلى أخطاء عقدية جسيمة.
والتحرير أن يقال: يجب أن يثبت لله تعالى من الأسماء والصفات ما ورد إطلاقه عليه في الكتاب والسنة الصحيحة مما كان إطلاقه على وجه الحقيقة دون المجاز والكناية.
وقد تورط صاحب التقسيم في أخطاء:
في العنوان: عنون المسألة بتوحيد الأسماء والصفات، وإنما المسألة مسألة إثبات الأسماء والصفات. وقد عبر بهذا في كتابه منهاج السنة.
عدم تحرير تقرير المسألة.
لم يثبت كثيراً مما ورد في الكتاب والسنة — كالنسيان في قوله تعالى «نسوا الله فنسيهم»، وما ورد في الأحاديث الصحيحة من الهرولة والضحك والمرض والجوع — وذلك لاعتقاده أن هذه الإطلاقات وردت على سبيل المجاز. وهو اعتقاد صحيح.
أثبت لله تعالى أموراً لم يرد بها الكتاب ولا السنة:
الجلوس على العرش: قال في مجموع الفتاوى: «حدث العلماء المرضيون والأولياء المتقون أن محمداً رسول الله يجلسه ربه على العرش معه»[25]
جواز إطلاق الجسم على الله: قال في التأسيس: «وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة أنه ليس بجسم»[27]
قال في التأسيس: «ولو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته»، والاستقرار من لوازم الجسمية.
قال في بيان تلبيس الجهمية[28]: «فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا في كلام أحد من الصحابة والتابعين»[29]، ومعنى هذا أن التشبيه ليس به بأس.
وهو بيت القصيد: أثبت لله تعالى أموراً وردت في الكتاب والسنة على سبيل المجاز أو الكناية فأثبتها على سبيل الحقيقة، فأدى به ذلك إلى التشبيه.
أقوال العلماء في نفي التشبيه
وننقل هنا مجموعة من أقوال علماء الأمة وأئمتها من السلف والخلف في نفي التشبيه عن الله تعالى:
أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل ومقاتل مشبه.
إن الله تعالى ليس له شبيه ولا مثيل.
أنكر أحمد على من قال بالجسم، وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف. والله سبحانه خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسماً لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل.
كان الإمام أحمد يقول: إن لله تعالى يدين وهما صفة له في ذاته، ليستا بجارحتين، وليستا بمركبتين، ولا جسم ولا من جنس الأجسام، ولا من جنس المحدود والتركيب والأبعاض والجوارح.
وتعالى — أي الله — عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
وليس معنى قول المسلمين إن الله على العرش هو أنه تعالى مماس له أو متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته، لكنه بائن من جميع خلقه. وإنما هو خبر جاء به التوقيف فقلنا به ونفينا عنه التكييف، إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وليس الخلاف في اليد، وإنما الخلاف في الجارحة، وليس الخلاف في الوجه، وإنما الخلاف في الصورة الجسمية، وليس الخلاف في العين، وإنما الخلاف في الحدقة.
ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، ولا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون والسماوات. كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الأزمان، وهو الآن على ما عليه كان.
ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالاً على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس.
استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور، لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز، تعالى الله عن ذلك.
فمعتقد سلف الأمة وعلماء السنة من الخلف أن الله تعالى منزه عن الحركة والتحول والحلول، ليس كمثله شيء.
الخلاصة والترجيح
فظهر بهذا التحقيق أن التقسيم الثلاثي للتوحيد الذي اخترعه ابن تيمية تقسيم فاسد في التعبير، وفاسد في مضمونه، وفاسد فيما قصد منه.
والتقسيم الصحيح للتوحيد هو التقسيم الثلاثي الذي ذكره الأشاعرة: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال.
أما توحيد الذات فمأخوذ من قوله تعالى: